بين أدب الحوار وعقم الجدال /مقال الأديب الأردني المبدع صخر محمد حسين العزه
بين أدب ألحوار وعقم الجدال
إن الله عزَّ وجلْ عندما خلق البشر أرسل إليهم الأنبياء والرُسُل ليهديهم إلى الطريق القويم ولعبادة الله الواحد الأحد ، وكانوا يعيشون في ضلالٍ وضياعٍ وانحلال ، وكانوا يعبدون من دون الله آلهة هم اختلقوها واصطنعوها لأنفسهم كالأصنام والأوثان ومنهم من عبد النار أو الكواكب ، وغير ذلك من أمور دنيوية جعلوها آلهةً لهم ، وكل ذلك كان عائداً لعدم وجود من يهديهم ويحاورهم ويدلهم إلى طريق الهدى وليسيِّرَ أمورهم الحياتية ، إلى أن جاء الرُسُل والأنبياء إليهم لهدايتهم فانقسموا إلى قسمين منهم من آمن بالله وبرسله وأنبياءه ومنهم من أخذته العِزَّةَ بالإثم وبقوا على ضلالهم وكفرهم واتَّبعوا طريق الغيِّ والضلال ، وطالبوا رُسُل الله فكانت عاقبتهم وخيمةً من عند الله .
إن انقسام الناس إلى فئتين من مؤمنين أو مشركين يعود إلى أمرين اثنين إما تقبُّلهم للحوار الهادف والبناء والذي يقودهم إلى طريق الهدى أو يبقون في جدالٍ عقيم سيُفضي بهم إلى الكُفر والضلال ويكون مصيرهم جهنم وبئس المصير.
أن ما أود طرحه هو فنٌ من فنون الكلام ألا وهو النقاش الذي يتمحور حول محورين هما الحوار والجدال ؛ فالحوار هو نقاشٌ متحضر ينتج عنه اقتناع الطرفين والإتفاق على رؤى جديدة من أجل تحقيق الهدف المنشود ويتفهم كل طرف رأي الآخر ويحترمه ، ولو اختلفت الآراء ؛ واختلاف الرأي لا يُفسدُ للوُدِّ قضية ، أما الجدال فهو نقاشٌ عقيم وتزمُّتٍ بالرأي بحيثُ يتمسك كل طرفٍ برأيه ، دون الإستناد إلى دليلٍ منطقي يدعمُ آراءه ، ويبقى عبارة عن جدلٍ بيزنطي يؤدي إلى الإختلاف بينهم وحصول ما لا يُحمدُ عُقباه ويؤدي إلى نشوب الحروب والدمار وما يكون وقودها إلا الناس الأبرياء ، وقد ذكر الله عزَّ وجلْ موضوع الجدال في القرآن الكريم وعواقبه في تسعةٍ وعشرين موضعٍ ، وأمر أنبيائه للمجادلة بالحسنى في أربعة مواضع فقط ، وقد قال الله عن الجدال بغير حق ( وَجَادَلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) وقال أيضاً ( ومن الناس من يُجادل في الله بغير علمٍ ولا هُدىً ولا كتاب منير ) أما عن الأمر الألهي في مجادلة أهل الكتاب بالحُسنى ، فقال تعالى جلَّ عُلاه : ( ولا تجادلوا أهل الكتابِ إلا بالتي هي أحسن ) فموضوع الجدل لم يؤمر أو يُمدح به في القرآن الكريم إطلاقاً ، وقد اجتمع لفظ الحوار والجدل في قوله تعالى : ( قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ، واللهُ يسمعُ تحاوركما إن الله سميعٌ بصير ) والقصد في الحوار والجدال هو مناقشة بين طرفين أو اطراف من أجل إظهار حُجة وإثبات حق ودفع شُبهة ورد الفاسد من القول والرأي .
إن الإختلاف من طبيعة الحياة في الناس وفي المخلوقات ، وقد قال تعالى : ( ولو شاء ربُّكَ لجعل الناس أُمةً واحدةً ولا يزالون مُختلفون ) فقد خلق الله الناس مُختلفين فكُلِّ إنسان له شخصيته المستقلة وتفكيره المتميز الخاص به ، ومن العبث صبِّ الناس في قالبٍ واحد ، ومحو كل اختلاف فهذا أمرٌ يُخالف الفطرة الإلهية التي فطر الله عليها الناس فالإختلاف سُنَّةٌ كونية إقتضتها حكمة الله ، ولهذا تجد الإختلاف بين الناس ولكن أوجد لهم العقل لكي يتفكروا ، فلو الإنسان غلَّب الحكمة والموعظة في حواره لانتفى الجدال ولو اتبعنا أدب الحوار الذي نصَّ عليه ديننا وقيمه العُليا لتخلصنا من كُل المشاكل التي تواجهنا ، ولو اتبع الناس قاعدة ( الصواب أن يُقال رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتملُ الصواب ) لتخلصنا من كثير من المُعضلات والمشاكل ،فلو كل طرفٍ مُختلفٌ مع الآخر تمحَّصَ ودرس رأي نِدِّه حتى يصلوا إلى نتيجة يتفقوا عليها وحتى لا يتحول الحوار البناء إلى جدالٍ عقيم يُفضي إلى الخلاف ويؤدي إلى القطيعة والإقتتال .
ومن آداب الحوار وقواعده التي حضَّ عليها الإسلام ما يلي :
أولاً : عدم الإستئثار في الحديث ، وإنصات الأطراف لبعضهم أثناء الحوار
ثانياً : تجنُّب التسرع في الحوار والتأني وضبط النفس ، وأن يمتاز الحوار بالمرونة والسلاسة وعدم رفع الصوت حتى تتحكم في الغضب قدر المُستطاع
ثالثاً : تجنُّب التعصب لرأي مُعين ، وتفهُّم الشخص الذي يحاورك ومخاطبته باسمه مع احترامك له
رابعاً : عدم العصبية عند اختلاف وجهة نظر مُعينة بل يجب مُناقشتها بعقلية مُنفتحة
خامساً : حرص جميع الأطراف للوصول إلى الحقيقة والإبتعاد عن إخفاء الحق للوصول إلى الهدف المنشود
سادساً : كلما كُنت بارعاً في التعبير عن نفسك وشرح وجهة نظرك ، كُلَّما كُنت أكثر نجاحاً وتأثيراً على الآخرين وتقبُلهم لأفعالك وأفكارك .
أما بالنسبة للجدال الذي يُفضي إلى النزاع ويؤدي إلى الإختلاف فأسبابه كالآتي :
أولاً : الغرور بالنفس والتزمُّت بالرأي حتى لو كان على خطأ
ثانياً : سوء الظن والمسارعة إلى إتهام الآخرين بدون بيِّنة
ثالثاً : الحرص على الزعامة أو المنصب أو الجاه
رابعاً : التعصُب لأقوال أشخاص أو مذاهب أو طوائف ، او التعصُب لبلدٍ أو حزبٍ أو جماعة
خامساً : إتباع الهوى وحُب الدنيا
سادساً : الجهل وقِلَّة العِلم في صفوف الكثيرين من المُتنطحين في الجدال عن غير عِلم
سابعاً : عدم التثبُّت في نقل الأخبار
إن ما نُشاهده من ويلات ودمار وخلافات بين دول مع بعضها البعض او مع عائلات مع بعضها أو مع أشخاص كُله عائد لفُقدان لغة الحوار وحلول الجدال البيزنطي العقيم الذي يؤدي الى الخلافات وهذا ما نشاهده في دولنا ومجتمعاتنا ، ومن أكبر المشاكل في مجتمعاتنا التي نواجهها وتفتقد الى لُغة وأدب الحوار ألا وهي مشاكل الطلاق التي سببها عدم التفاهم والتزمت بالرأي ودون تحكيم للعقل وفي النهاية يؤدي إلى دمار وتشتيت الأسرة وتشريد وضياع الأبناء وسببه عدم وجود أسلوب منطقي في الحوار ، ولهذا فعلينا كمُسلمين أن نتحلى بأخلاق ديننا وأن يكون حوارنا مبنيٌّ على الحكمة والموعظة الحسنة التي أمر الله بها رُسله الكرام عليهم أفضل السلام . إذ قال : ( أُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنَّ ربُّكَ هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله وهم أعلمُ بالمهتدين )
علينا أن يكون الحوار البنَّاء هو نهجنا لإيجاد حل وسط يُرضي الطرفين والتعرُّف على وجهات نظر الطرف الآخر والبحث والتقصي من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وعدم تحول الحوار إلى جدالٍ عقيم يؤدي إلى الخلافات ، وقد أبدع الشاعر عمر خليفة في مختارات من ابياته عن وصف أدب الحوار إذ قال:
حاول بنور الفكر أن تتجملا
واجعل كلامك طيباً ومُعسلا
الرأيُ يحتملُ الصواب وضدهُ
لا تحسبنَّ الرأي قولاً مُنزلا
ناقش وحاور فالحوارُ يُنيرُنا
واسمح لنور الشمس أن يتغلغلا
إن كنت لا تدري الحقيقة كُلَّها
حاول صديقي جاهداً أن تسألا
لُغة الحوار كجنَّةٍ مُخضرَّةٍ
كُن نبع ماءٍ سائغٍ أو جدولا
بدِّل مكانك كي ترى مثلي أنا
أرأيت صار الآن رأيي أسهلا
صخر محمد حسين العزة
عمان - الأردن
لكم كل الشكر والاحترام والتقدير لكل قدمتموه مع جزيل الشكر لكم
ردحذف